عبد الرزاق اللاهيجي

42

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام

في مدة ثلاث وعشرين سنة ، وجعله فوق قدرة البشر ، فلن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا . نعم ، كون القرآن مخلوقا للّه سبحانه لا ينافي أن يكون ما يقرأه الإنسان مخلوقا له ، لبداهة أنّ الحروف والأصوات التي ينطق بها الناس مخلوقة لهم ، وهذا كمعلّقة امرئ القيس وغيرها ، فأصلها مخلوق لنفس الشاعر ، لكن المقروء مثال له ، ومخلوق للقارئ . والعجب أنّ الأشعري ومن قبله ومن بعده لم ينقّحوا موضع النزاع ، فزعموا أنّه إذا قيل « القرآن مخلوق » فإنّما يراد منه كون القرآن مصنوعا للبشر ، مع أنّ الضرورة قاضية بخلافه ، فكيف يمكن لمسلم يعتنق القرآن ويقرأ هتاف الباري سبحانه فيه : نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ « 1 » أن يتفوّه بأنّ القرآن مخلوق للبشر . بل المسلمون جميعا يقولون في القرآن نفس ما قاله سبحانه في حقّه ، غير أنّ المقروء على ألسنتهم مخلوق لأنفسهم ، فيكون مثال ما نزّله سبحانه مخلوقا للإنسان . وكون المثال مخلوقا ليس دليلا على أنّ الممثّل مخلوق لهم . والناس بأجمعهم عاجزون عن إيجاد مثل القرآن ، ولكنّهم قادرون على إيجاد مثاله ، فلاحظ وتدبّر . وبذلك تقف على أنّ أكثر ما استدلّ به الأشعري في كتاب « الإبانة » غير تام من جهة الدلالة ، ولا نطيل المقام بإيراده ونقده ، وفيما ذكرنا كفاية . بقيت هنا نكتة ننبه عليها وهي : أنّ المعروف من إمام الحنابلة أنّه ما

--> ( 1 ) . آل عمران : 3 .